محمد علي التهانوي

مقدمة 26

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم

وقد عثرنا على شيء من هذا التوجه في التراث العربي والاسلامي ، مع اختلاف الأغراض والوضوح في المسألة والفضاء المعرفي . وتمثل هذا التوجه بانتصار أهل البيان لمنطق اللغة على منطق المعنى أي توخّي أوجه النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه والعمل بقوانينه وأصوله « 1 » . فاعتبر السكاكي في مفتاح العلوم « 2 » : « أنّ من أتقن أصلا واحدا من علم البيان ، . . . ووقف على كيفية مساقه لتحصيل المطلوب ، أطلعه ذلك على كيفية نظم الدليل » . وخير شاهد ومثال على هذه المسألة المحاورة التي تمت في مجلس الوزير ابن الفرات في بغداد عام 366 ه بين السيرافي وأبي بشر متى بن يونس . إذ قال السيرافي لمتى : « ما تقول في قول القائل : زيد أفضل الأخوة ؟ قال متى : صحيح . قال السيرافي : فما تقول إن قال : زيد أفضل أخوته ؟ قال متى : صحيح . . . فقال السيرافي : أفتيت على غير بصيرة ولا استبانة . المسألة الأولى جوابك عنها صحيح « والمسألة الثانية جوابك عنها غير صحيح . . . إن إخوة زيد هم غير زيد ، وزيد خارج عن جملتهم . والدليل على ذلك أنّه لو سأل سائل فقال : من إخوة زيد ؟ لم يجز أن تقول : زيد وعمرو وبكر وخالد ، وإنما تقول عمرو وبكر وخالد ، ولا يدخل زيد في جملتهم . فإذا كان زيد خارجا عن اخوته صار غيرهم ، فلم يجز أن تقول : أفضل اخوته ، كما لم يجز أن تقول : إنّ حمارك أفضل البغال ، لأنّ الحمير غير البغال ، كما أن زيدا غير اخوته . فإذا قلت : زيد خير الأخوة ، جاز ، لأنّه أحد الأخوة ، والاسم يقع عليه وعلى غيره فهو بعض الأخوة . . . » « 3 » . إن متّى انتصر لأرسطو في جعله الأخوة جوهرا له ماهيته ، أي هو معنى قبلي متصوّر في الذهن . بينما نظر السيرافي من خلال سياق ترتيب الألفاظ والحروف ، فهاء الضمير المتّصل في الأخوة تحدّد المعنى وليس للمعنى أسبقية وقبلية . لهذا اختلفت الجملتين فاختلف المعنيان . ورب سائل يقول : ما علاقة كل هذا من المصطلح كلفظ وتصور ، كاسم ومعنى ؟

--> ( 1 ) الجرجاني ، عبد القاهر ، دلائل الاعجاز ، تحقيق بن تاويت ، تطوان المغرب ، د . ت . ، ص . 27 و 139 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص . 182 . ( 3 ) التوحيدي ، أبو حيان ، الامتاع والمؤانسة ، القاهرة ، التأليف والترجمة ، 1939 - 1944 ، ج 1 ، ص 121 .